وأي كان سبب النزول، فمعنى الآية: ما صح وما استقام لِبَشر اصطفاه ربه لتبليغ الرسالة إلى خلقه، وأعطاه الكتاب الذي يرشد الناس إلى عبادة ربهم، وأعطاه الحكمة - أي حسن التصرف في الأُمور - وأعطاه النبوة العاصمة من الخطأ، ثم يتنكر لربه الذي الذي اختاره لهداية خلقه، فيقول للناس: كونوا عبادًا لي إشراكًا مع الله أو إفرادًا: متجاوزين توحيد الله إلى ما طلبته منكم. ولكن يقول لهم: كونوا علماء عاملين، كاملين في العلم والعمل، لأنكم تعلمون الناس الكتاب وتدرسونه. فأولى بكم أن تتبعوه ولا تحيدوا عنه.
والتعبير بلفظ (ثم) لاستبعاد حصول ذلك القول من الرسول.
وإذا كان لا يصح لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة: أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فلا يصح له أن يدعوهم إلى عبادة غيره من باب أولى.
وبهذه الآية حصل الرد البليغ من الله تعالى على النصارى الذي أَلَّهوا المسيح وعبدوه، وعلى اليهود الذين أَلَّهو عزيرًا وقدسوه، وعلى من زعم أن محمدًا عليه الصلاة والسلام،
يقصد بنبوته: أن يدعو الناس إلى عبادته، وعلى الأحبار الذين يتعبدون الناس من دون ربهم: بتحريفهم كتاب الله عن موضعه لمصلحتهم.
وخلاصة الرد: أن رُسُلَ الله برآءُ مما يصنعه أتباعهم. فإنه لا يعقل أن يأمروهم بهذا الكفر. وذلك هو ما يقوله عيسى عليه السلام، لربه لما يسأله:"أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ"إذ أجاب:"سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ"ثم قال"مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".
والآية توجب على أهل العلم أن يقرنوه بالعمل، حتى لا تَزِلَّ قدم بعد ثبوتها.
80 - {وَلَا يَأمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ... } الآية.
(وَلَا يَأمُرَكُمْ) : بالنصب، معطوف على"يَقُولَ"في الآية السابقة، داخل معه في حيز ما لا يجوز على الرسل.