وشح النفس يأتي لأن الإنسان لا يأمن أبدا أن يأتيه العجز من بعد القدرة ، لذلك فإنه يحاول إن كان يملك شيئا أن يؤمن العجز المتوهم ، فيحافظ على ما عنده من حاجات ، ومن هنا جاءت الحيازة والملكية ولم تنشأ هذه الأشياء من أول الخلق ، وإنما نشأت من يوم أن ضاقت الأمكنة المُعْطية دون الحاجات ، فحين تكون الأمكنة المعطية تسع الحاجات فلا داعي لهذا العجز المتوهم.
لنفترض أن رجلا اشترى صندوقا من البرتقال ، ودخل منزله وعندما يحتاج ابن هذا الرجل لبرتقالة أو اثنتين فإنه يأخذ ما يريد ، لكن لو أحضر الرجل قليلا من البرتقال فإن زوج الرجل تكون حريصة على أن تقسم البرتقال بين الأولاد حتى لا تترك كل ابن على سجيته بما قد يحرم الآخرين.
وهكذا كان الأمر فِي بدء استخلاف الله للإنسان فِي الأرض ، فمن أراد الأرض اخذ ، ومن أراد أكل الثمار فهي أمامه ، وعندما قلت مُعطيات الحاجات وذلك بضيق الأمكنة المعطية بدأت فِي الظهور الرغبة فِي الملكية ، وامتياز الأشياء ، والحق سبحانه يلفتنا فِي هذه المسألة وكأنه يقول لنا: إن النفقة لو نظرت إليها نظرة واقعية حقيقية لوجدت أنك أيها العبد مضارب لله فِي خير الله. ومعنى"مضارب"أي أنك تعمل عند الله بالعقل الذي خلقه لك ، وتخطط به ، وتعمل عند الله بالطاقة التي خلقها الله ، والمادة التي خلقها الله لك تنفعل معها فماذا لك أنت ؟
إن كل شيء لله ، وأنت مجرد مضارب لا تملك شيئا وما دمت مضاربا أيها العبد ، فإعط لله حقه ، وحق الله لا يأخذه هو ؛ فهو أغنى الأغنياء ، إن حق الله يأخذه أخوك غير القادر الذي لا يستطيع أن يتفاعل مع المادة ، ولا تظن أيها العبد أن الله حين طلب منك النفقة مما تحب أنه - جل شأنه - قد استكثر عليك ما طلب منك أن تنفقه ، إنه ساعة يأخذ منك لأخيك وأنت قادر ، إنما يطمئنك أنك إن عجزت فسيأخذ لك من القادرين ذلك هو التأمين فِي يد الله.