إن المشركين لم يقولوا لأحد:"إنما قالوا لأنفسهم"، ويكشفهم الحق سبحانه العليم فِي أخفى خباياهم ، ويُظهر ما فِي أنفسهم ، وهو العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية فِي خلقه. وحين يقول الحق سبحانه: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} . فإن الآية تحريض على الإنفاق ، وجاءت بعد آية تفيد أن هناك إنفاقا لا يقبله الله فِي قوله سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [آل عمران: 91] .
إذن فهناك لون من النفقة يرفضه الله ، وتداعى المعاني فِي النفس الإنسانية قد يجعل الإنسان يسأل"ما هي إذن النفقة المقبولة ؟"لذلك كان لا بد وأن يأتي قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فإذا كانت هناك نفقة مردودة فهناك أيضا نفقة مقبولة ، وهكذا نرى الآية التي تحرص على الإنفاق منسجمة مع ما قبلها. {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} ، قد يسأل سائل ، ولماذا لا ينال الإنسان البر إلا بعد ان ينفق مما يحب ؟ وله أن يعرف أن طبيعة النفس الإنسانية هي"الشح"ولهذا جاء فِي القرآن الكريم:
{فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] .