ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ هَلْ هُوَ مَحْبُوبٌ
لَدَيْكُمْ أَوْ مَزْهُودٌ فِيهِ ، وَهَلْ أَنْتُمْ مُخْلِصُونَ فِي إِنْفَاقِهِ أَمْ أَنْتُمْ مُرَاءُونَ طَالِبُونَ لِلشُّهْرَةِ وَالْجَاهِ ، فَهُوَ - عَزَّ وَجَلَّ - يُجَازِيكُمْ عَلَى مَا تُنْفِقُونَ بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ مِنْ نِيَّتِكُمْ وَمِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِكُمْ ، وَقَدْرِ مَا تَرْتَقِي بِذَلِكَ أَرْوَاحُكُمْ ، فَرُبَّ مُنْفِقٍ مِمَّا يُحِبُّ لَا يَسْلَمُ مِنَ الرِّيَاءِ وَرُبَّ فَقِيرٍ لَا يَجِدُ مَا يُحِبُّ فَيُنْفِقُ مِنْهُ وَلَكِنَّ قَلْبَهُ يَفِيضُ بِالْبِرِّ حَتَّى لَوْ وَجَدَ مَا أَحَبَّ لَأَوْشَكَ أَنْ يُنْفِقَهُ كُلَّهُ .
وَيَذْكُرُ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ جَعْلِ مَا يُحِبُّونَ لِلَّهِ - تَعَالَى - . ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الشَّوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ رِوَايَتِهِ وَنَقَلَ غَيْرُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بَعْضَ الْوَقَائِعِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:"كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ نَخْلًا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً الْمَسْجِدَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ"