فإن الظلم ترك الاهتداء ، ومن يهُدى ويترك الاهتداء عناداً
لا سبيل إلى هدايته إلا قهراً.
وعلى هذا قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا(168) .
إن قيل: كيف نفى عن الكافر الهداية فِي هذه المواضع.
وأثبت له فِي قوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) ؟
قيل: المتْبت لهم هاهنا هو العقل والتمييز دون الأخرى ، التي لا
تحصل إلا بعد الاهتداء بهذا ، وهذه تارة تُثبت للكافر إذا
أريد أنه مطبوع عليها ومعرض لاستعماله إياها ، وتارة تُنفى
عنه ، بمعنى أنه لم يستعملها ، ولم يحصل قبوله على ما يحب.
فكأنه فِي حكم ما لم يعط.
وقوله: (لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فهو على لفظ الاستقبال.
ومعناه لا يفعل به ذلك ثانياً ، إذ قد أتاه ما فيه الكفاية.
ولفظ (كيف) وإن كان استفهام ، فالقصد به
النفي هاهنا ، وعلى هذا قول الشاعر:
... ... ... ... ... ... ... .. ألا هل أخو عيشٍ لذيذٍ بدائم
فأدخل الباء فِي خبر هل لما أراد معنى ليس ، إن قيل: على ماذا
عطف قوله: (وَشَهِدُوا) فإن ظاهره من حيث المعنى أنه معطوف
على قوله (بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) ، لا يصح عطف الفعل على الاسم.
ولا يصح أن يكون معطوفا على قوله: (يَهْدِي اللَّهُ) ، لأنه لم
يرد كيف يهدي الله قوماً هكذا وكيف شهدوا أن الرسول حق ؟
قيل: فِي ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون تقديره بعد إيمانهم
وإن شهدوا ، فيكون أن مقدرا ، كما هو فِي قول الشاعر:
للبس عباءة وتقرّ عيني ...
إلا أن إضمار أن فِي البيت أظهر لانتصاب تقر.
والثاني: أن يكون (وَشَهِدُوا) فِي موضع الحال.
أي وقد شهدوا ، نحو قوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
وقول الشا عر:
تقول وصكَّت نحرها بيمينها ... ... ... ... ... ... ... ..