قال المُفضَّل: ومعنى التفسير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَم؛ كقولك: (عندي عشرون) ؛ فالعدد معلوم، والمعدود مبْهَم.
فإذا قلت: (درهمًا) ، فَسَّرت العددَ. وكذلك إذا قلت:(هو أَحْسَنُ
الناسِ)، فقد أخبرت عن حُسْنِه، ولم يبين في أي شيء هو، فإذا قلت: (وَجْهًا) ، أو (فِعْلًا) ، فقد بينته، ونصبته على التفسير، وإنما نصبته، لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين، نُصِبَ؛ لأن النصب أخفُّ الحركات، فجعِل لكل ما لا عامل فيه.
وقال سيبويه: انتصب (ذهبًا) ؛ لأن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين المِلْءِ أن يكون جَرًّا؛ ومعنى هذا: أنَّ العاملَ اشتغل بالإضافة في {مِلْءُ الْأَرْضِ} ، وبما يعاقِبُ الإضافة من النون الزائدةِ في (عشرون درهمًا) ، فجرى ذلك مجرى الحالِ في اشتغال العامل بصاحبها، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل.
وقوله تعالى: {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} .
قال الفرّاء: الواو زائدةٌ، كهي في قوله: {وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] ؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به.
وغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه، وقالوا: الواو ههنا للعطف؛ لأن المعنى: لو عمل مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرضِ ذهبًا؛ يتقرب به الله عز وجل، لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذابِ بِمِلْءِ الأرضِ ذهبًا، لم يُقْبَل منه. فالواو دخلت لفعلٍ مُضْمَرٍ، وهو: (القَبُولُ) ؛ أي: ولا يُقبل منه لو افتدى به.
قال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم أيضًا على جهة فِدْيَةٍ.
وقد أشار الفراء إلى هذا القول أيضًا، فقال: والواو ههنا كأنَّ لها فِعْلًا مُضْمَرًا بعدها.