[الرعد: 15] فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده {طوعاً وكرهاً} وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً . ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات . فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً فِي غيره من الآلام والمكاره التي تحالف طباعهم ، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره . وأما الكافرون فينقادون فِي الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب . وعن الحسن: الطوع لأهل السماوات ، والكره لأهل الأرض . أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره . وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً ، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً . فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي {وإليه ترجعون} أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً ، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره . ثم إنه سبحانه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء فِي تصديق كل رسول كان قبله ، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه . أما وجه التوحيد فِي {قل} فظاهر ، بناء على ما قلنا ، وأما وجه الجمع فِي {آمنا} فلتشريف أمته بانضمامهم معه فِي سلك الإخبار عن الإيمان ، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: {والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته} [البقرة: 285] أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك . وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل ، وفي ذلك تنبيه على سوء