إن الشرطي هنا قد دل هذا الإنسان ، لكن عندما يقول السائل للشرطي:"الحمد لله أنني وجدتك هنا لأنك يسرت لي السبيل"فهذا القول يأسر قلب الشرطي ، فيزيد من إرشاداته للسائل ويوضح له بالتفصيل الدقيق كيف يصل إلى الطريق ، وينبهه إلى أي عقبة قد تعترضه ، وإن زاد السائل فِي شكره للشرطي ، فإن ذلك يأسر وجدان الشرطي أكثر ، ويتطوع ليركب مع السائل ليوصله إلى الطريق ، شارحا له ما يجب أن يتجنبه من عقبات ، وبذلك يكون الشرطي قد قدم كل المعونة لمن شكره.
لكن لنفترض أن رجلا آخر سأل الشرطي عن الطريق ، فكذب الرجل الشرطي ، وفي مثل هذا الموقف يتجاهل الشرطي مثل هذا الرجل ، وقد ضربت هذا المثل للتقريب لا للتشبيه. إن الحق يدل أولا بهداية الدلالة ، وقد هدى الله الناس جميعا ، أي دلهم على المنهج ، فمن ذهب إلى رحابه وآمن به ، أعطاه الله هداية ثانية ، وهي هداية المعونة والتيسير.
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] .
إن الحق يعطيهم حلاوة الهداية وهي التقوى ، كأن الحق يقول للعبد المؤمن: ما دمت قد أقبلت عليَِّ بالإيمان فلك حلاوة الإيمان ، أما الذي يكفر ، والذي يظلم نفسه بالشرك ، فالحق يمنع عنه هداية المعونة ؛ لأنه قد رأى هداية الدلالة ولم يؤمن بها. إذن فالاستفهام فِي قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} هو تساؤل يراد به الإنكار والاستبعاد لا عن الهداية الأولى وهي هداية الدلالة ، ولكنه عن هداية المعونة ، أي: كيف أعين من كفر بي ؟
والمقصود بهذا القول هو بعض من أهل الكتاب الذي جاءهم نعت الرسول صلى الله عليه وسلم فِي كتبهم حتى إن عبد الله بن سلام وهو منهم ، يقول: لقد عرفت محمداً حين رأيته كمعرفتي لابني ، ومعرفتي لمحمد أشد ، ومصداق ذلك ما يقوله الحق سبحانه وتعالى: