وإنما إمكان معرفة الله تعالى بالعقل كإمكان معرفة ما وعد الله به، وإمكان سائر الأعمال التي تصلح لها الأعضاء والجوارح، وإذا كان شيء من ذلك لا يلزم إلا بأمر، فكذلك هذه المعرفة.
وإذا كان كذلك - وقد أخبر الله تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} - صح أن لا يؤخر عنهم الأمر بالإيمان، فلا يمكن إذا وجود من لم تبلغهم الدعوة إلى الإيمان، ولا معنى لوضع هذه المسألة فيه، والبحث أنه كافر أو مؤمن، والله أعلم.
(فصل)
وأما من كان منهم متمسكاً بدين مستقيم كان حقاً في وقت لم يبلغه الخبر عن غيره فهو مسلم، لأنه لا يصير محجوجاً بغيره ما لم يبلغه خبره.
ألا ترى أن أهل قباء لم تلزمهم الحجة بتحويل القبلة إلى الكعبة ما لم يبلغهم الخبر، ولذلك استداروا فبنوا ولم يستأنفوا، وقد قال الله عز وجل: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} بمعنى الرسول للتبليغ، فمن (لم) تبلغه دعوة الرسل فكمن لم يرسل إليه.
ألا ترى أن الرسول إذا أوحي إليه وهو في بيته لم يصد قومه محجوجين بما أنزل عليه قبل أن يبلغهم، فكذلك البعداء منه هذا حكمهم.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - لما بعث معاذاً إلى اليمن أمره أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكان إذا بعث سرية يقول لأميرهم: إذا لقيت العدو فأدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله.
فلما لم يأمر بالقتال إلا بعد الدعوة علمنا أن الحجة لا تلزم من لم يسمع الدعوة إلا بأن يبلغها أمام القتال، وهذا هو الذي لا يجوز غيره، لأن القتال إنما هو على الدين فيستحيل أن يتقدم الإعلام بالدين لمن ينبغي أن يتقدم الدعوة والإعلام.
فإن وفقت الإجابة وإلا كان القتال بعد الإصرار والله أعلم.
وإذا كان الأمر على ما وصفت، وجب إذا قيل من ذكرت أن يكون فيه ديته مسلم لأنه مسلم هذا ما قاله فيه غيري، وقائل هذا القول - وإن كان من أهل الفتيا - فيحتمل أن يكون غير ما قال: وهو أن يكون نصف الدية لأنه ناقص الإيمان، والنبي - صلى الله عليه وسلّم - لما وصف المرأة بنقصان الدين، من حيث إنه لم يسمع بمحمد - صلى الله عليه وسلّم - ، فرسول خاتم النبيين وسيد المرسلين أول من يكمل دينه، وإنه إن كان غير آثم وخرج لقصور الدعوة عنه، فالمرأة أيضاً بما تدعه من الصلوات غير آثمة ولا حرجة، ولم يمنع ذلك من حط ديتها عن دية الرجل.