وقد قال سيبويه: ومثل هذه الآية؛ قوله: {لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} [الأعراف: 18] ، فهذا جزاء، والفعل الماضي في معنى المستقبل، ولام القسم التي تعتمد عليها اللاّم في {لَأَمْلَأَنَّ} وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم.
وقوله تعالى: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} تقديره: أول الكلام في قول من قدّر (ما) جزاء، والتمثيل: (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتؤمنن به) ، وجواب الشرط، محذوف مستغنى عنه؛ لدلالة لتؤمنن به، الذي هو جواب القسم عليه، كما أن قولك: (لآتِيَنَّك إنْ أتيتني) ، كذلك؛ والمعنى: (واللهِ، لآتِيَنَّك إنْ أتيتني) . فيكفي جوابُ القسم من جواب الجزاء، وإذا كانت بمعنى الجزاء على ما وصفنا فيكون تقدير المعنى: لأَنْ آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة، - ومهما آتيتكم - ثم جاءكم رسول، لتؤمنُنَّ به.
فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم؟.
قيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ قبلهم، ورُزِقوا علمَ ذلك الكتاب، فدخلوا تحت صفةِ أبناء الكتاب.
وقرأ نافع: {آتَيْنَاكُم} ، وحجته قوله: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء:55] ، {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] ، {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ} [الصافات: 117] .
ومن قرأ: {آتَيْتُكُم} ، فحجته قوله: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحديد: 9] ، و {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران: 3] ، و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] .