فأما قوله: {تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ} ، من قرأه بالتخفيف؛ فهو من (العِلم) الذي يراد به: المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد؛ كقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} [البقرة: 65] ، وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220] ، وحجته: ما رُوي عن عمرو أنه احتج بقوله: {تَدْرُسُونَ} ولم يقل: (تُدَرِّسُون) ، وأيضًا فإن التشديد يقتضي مفعولين، والمفعول ههنا واحد، فالتخفيف أولى.
ومن قرأ بالتشديد: فالمفعول الثاني محذوف، تقديره: بماكنتم تُعَلِّمونَ الناسَ الكتابَ، أو غيرَكم الكتابَ. وحُذِف؛ لأن المفعول به قد يُحذَف من الكلام كثيرًا.
وحجته في التشديد: أن التعليم يَدُل على العِلْم؛ لأن الذي يُعَلِّم لا يكون إلا عالمًا بما يُعَلِّم، والعِلْم لا يدل على التعليم، فالتشديد أبلغ في هذا الموضع. وأيضًا فإن الرَّبّانِيّين لا يقتصرون على أن يَعْلَموا لأنفسهم حتى يتقربوا إلى الله بالتعليم، يدل عليه: قول مُرَّة بن شَراحيل: كان عَلْقَمَةُ من الربّانيين الذي يُعَلِّمون الناسَ القرآن.
قال الزجاج: معنى قوله: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} : كونوا معلِّمِي الناس بعِلْمِكم ودَرْسِكم، عَلِّموا الناسَ وبَيِّنوا لهم؛ كما تقول: انفعوهم بمالِكم. وقيل: كونوا ممن يستحق أن يُطلق له صفة عالم بعلمه؛ لإخلاصه وقيامه بحقه.
وقوله تعالى: {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} . أي: تقرأون. ومنه قوله تعالى: {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} [الأعراف: 169] . وشَرْحُ معنى الدَّرسِ والدراسة، يُذكر عند قوله: {وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ} [الأنعام: 105] .
80 -قوله تعالى: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} . الآية. أكثر القراء على رفع {ولا يأمُرُكُم} .
قال سيبويه: {وَلَا يَأَمُرُكم} : منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى: ولا يأمُرُكم الله.