إنه كتاب منزل من السماء وملحوظ فيه العلو ، والغاية من النزول هو مصلحة الأمة ، فالإتيان بـ (على) يْفيد العلو ، ولمصلحة الأمة ،"العلية"هنا لتزيد مقام المنهج بالنسبة للمؤمنين فهو قد نزل لمصلحتهم. إذن فالنزول يقتضي"علِّية"، وهو من حيث العلو يأتي بـ"على"، ومن حيث الغاية يأتي بـ"إلى"، فهو منهج نزل من الحق الأعلى ونزل إلى الرسول وعلى الرسول ليبلغه إلى المؤمنين لمصلحتهم. ولذلك قلنا: إننا إذا رأينا حكما يقيد من حرية الفرد فلا يصح أن نفهم أن الله قد قصد هذا الفرد ليقيد حريته ، إنما جاء مثل هذا القيد لقيد الملايين من أجل حرية الفرد ، مثال ذلك ساعة يحرم المنهج السرقة على الإنسان ، فهو أمر لكل إنسان من الملايين وهو لمصلحة كل إنسان ، فالقرآن قد نزل لمصلحتك ، ومصلحة المؤمنين جميعا.
وعندما نقرأ قوله الحق: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} . فهذا القول يوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء بمنهج يضم صحيح العقائد والقصص والأخبار ، وهو يوافق ما جاء فِي موكب الرسالات من يوم أن خلق الله الأرض وأرسل الرسل. وقد أخذ الله العهد على الأمم والأنبياء من قبل ، بأنه إذا جاء رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ، وكذلك أخذ الله على رسولنا صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بالرسل السابقين ، فهو صلى الله عليه وسلم لم يأت ليهدم أديانا ، ولكن ليكمل أديانا ، وهكذا نرى النص القرآني الجليل:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] .