{قَالَ} الله سبحانه وتعالى للنبيين {أَأَقْرَرْتُمْ} بتحقيق الهمزتين، مع إدخال ألف بينهما وتركه، وبتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما، وبين الأولى المحققة وتركه، وبإبدال الثانية ألفًا ممدودة، فالقراءات خمسٌ كما في"الخطيب"؛ أي: هل اعترفتم بالإيمان به والنصرة له {وَأَخَذْتُم} ؛ أي: قبلتم {عَلَى ذَلِكُمْ} المذكور من الإيمان به والنصر له {إِصْرِي} ؛ أي: عهدي، وسمي العهد إصرًا؛ لأنَّه مما يؤصر؛ أي: يشد ويعقد والإصر في الأصل الحمل الثقيل، وقرئ شاذًا بضم الهمزة (أُصري) وهي مروية عن أبي بكر، عن عاصم شذوذًا، ويحتمل أن يكون لغة فيه، ويحتمل أن يكون جمعًا لأصار، كإزار وأزر {قَالُوا} ؛ أي: قال النبيون جوابًا للرب جل جلاله {أَقْرَرْنَا} ؛ أي: اعترفنا بذلك العهد وقبلناه، {قَالَ} الله تعالى للنبيين {فَاشْهَدُوا} ؛ أي: على أنفسكم وعلى أتباعكم؛ أي: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وقبول العهد {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} ؛ أي: وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضًا، من الشاهدين معكم، لا يعزب عن علمي شيء .
وهذا الحوار لتثبيت المعنى وتوكيده، على طريق التمثيل، وليست الآية نصًّا في أنَّ هذه المحاورة وقعت، وهذه الأقوال قيلت، وله نظائر كثيرة في الأساليب العربية.
82 - {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} ؛ أي: فمن أعرض عن الإيمان بهذا الرسول ونصرته بعد قبول الميثاق والعهد {فَأُولَئِكَ} المعرضون {هُمُ الْفَاسِقُونَ} ؛ أي: الخارجون عن طاعة الله وميثاقه.
وخلاصة المعنى: فمن أعرض بعد أخذ الميثاق على هذه الوحدة، واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان، ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره .. فأولئك الجاحدون هم الفاسقون، فأهل الكتاب الذين جحدوا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - خارجون عن ميثاق الله، ناقضون لعهده، وليسوا من الدين الحق في شيء .