وخلاصة المعنى: بلى عليكم يا معشر اليهود في الأميين سبيل، وعليكم الوفاء بعقودكم المؤجلة والأمانات، فمن أقرضك مالًا إلى أجل، أو باعك بثمنٍ مؤجل، أو ائتمنك على شيء .. وجب عليك الوفاء به، وأداء الحق له في حينه، دون حاجة إلى الإلحاف في الطلب، أو إلى التقاضي، وبذلك قضت الفطرة، وحتمت الشريعة، وفي هذا إيماء إلى أنَّ اليهود لم يجعلوا الوفاء بالعهد حقًّا واجبًا لذاته، بل العبرة عندهم المعاهِد، فإن كان إسرائيليًّا .. وجب الوفاء له، ولا يجب الوفاء لغيره.
والعهد ضربان:
الأول: عهد المرء لأخيه في العقود والأمانات كما تقدم.
والثاني: عهد الله تعالى، وهو ما يلتزم به المؤمن لربه، من اتباع دينه والعمل بما شرعه على لسان رسوله. واليهود لم يفوا بشيء منهما، إذ لو وفوا بعهد الله .. لآمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، واتبعوا النور الذي أنزل معه، كما وصاهم بذلك كتابهم على لسان رسولهم موسى عليه السلام.
وقد جعل الله جزاء الموفين بالعهد، المتقين بالإخلاف والغدر، محبته تعالى ورحمته لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى أنَّ الوفاء بالعهود، واتقاء الإخلاف فيها، وفي سائر المعاصي والخطايا، هو الذي يقرب العبد من ربه، ويجعله أهلًا لمحبته، أما الانتساب إلى شعب بعينه، والافتخار والترفع به على غيره، كما كثر في عصرنا هذا والعياذ باللهِ، فلا قيمة له عند الله تعالى.
وفي هذا أيضًا تعريض بأنَّ أصحاب هذا الرأي من اليهود ليسوا على حظ من التقوى، وهي الدعامة الأساسية في كل دين قويم، رزقنا الله إياها وجميع المسلمين.
وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله:"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر"وفي رواية"إذا حدث كذب، وإذ وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".