(وَيَقولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في هذه الجملة السامية رد عليهم بأن ما قالوه من أنه ليس عليهم في الأمِّيين سبيل كلام لَا أصل له في شرع سماوي فهو ليس دينا، وإذا كانوا قد قالوه على الله تعالى فقد كذبوا على الله تعالى، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في قضية عامة تدل على أن من شأنهم أن يقولوا الكذب على الله تعالى، وهم يعلمون أنه كذب فقد كذبوا فادّعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وكذبوا فادعوا أن إبراهيم كان يهوديا، وكذبوا فادّعوا أنه لا نبي إلا من بني إسرائيل، فكان الكذب على الله تعالى شأنا من شئونهم، ولذلك عبر بالمضارع، أي أن شأنهم أن يقولوا الكذب على الله، قالوه في الماضي، ويقولونه في الحاضر، وسيقولونه في المستقبل، وذلك شأن الذين يحتكرون لأنفسهم حق التكلم في الدين، ويحسبون غيرهم ليس من حقهم أن يتكلموا فيه.
وإن الأمانة كانت توجب عليهم ألا يقولوا إلا الحق، ولكنهم خانوها في الماديات، وما ذلك إلا لأنهم فقدوها في المعنويات، فكان هذا هو أساس ذلك الضلال البعيد، ولقد روى سعيد بن جبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أهل الكتاب عندما نزل قوله تعالى عنهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) : قال عليه الصلاة والسلام:
"كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية، إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر".
ويروى أن رجلا سأل ابن عباس، فقال:"إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس. فقال حبر هذه الأمة: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) . إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم".
وإن الحق الثابت المقرر أن الفضائل الدينية هي حق على المؤمن لكل إنسان، ويأثم إن لم يؤدها لكل إنسان، ولذا قال تعالى:
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)