أَقُولُ: وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ قَرَّ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ وَلَزِمَ قَرَارُهُ مَكَانَهُ، زِيدَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، فَقِيلَ أَقَرَّ الشَّيْءَ إِذَا أَثْبَتَهُ، وَأَقَرَّ بِهِ إِذَا نَطَقَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ. وَالْأَخْذُ التَّنَاوُلُ، وَفَسَّرْنَاهُ هُنَا بِالْقَبُولِ وَهُوَ غَايَتُهُ ; لِأَنَّ آخِذَ الشَّيْءِ يَقْبَلُهُ وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ كَذَلِكَ فِي التَّنْزِيلِ قَالَ - تَعَالَى -: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [2: 48]
ثُمَّ قَالَ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ [2: 123] فَقَالَ مَرَّةً إِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَمَرَّةً لَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَ"الْإِصْرُ"فِي الْأَصْلِ عَقْدُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ بِقَهْرِهِ، وَالْمَأْصِرُ مَحْبِسُ السَّفِينَةِ، وَفُسِّرَ الْإِصْرُ فِي وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [7: 157] بِمَا يَحْبِسُهُمْ عَنِ الْخَيْرِ وَيُقْعِدُهُمْ عَنْ عَمَلِ الْبِرِّ. وَعَلَى هَذَا قَالَ الرَّاغِبُ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا: إِنَّ الْإِصْرَ هُوَ الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي يُثَبِّطُ نَاقَضَهُ عَنِ الثَّوَابِ
وَالْخَيْرَاتِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي يَحْبِسُ صَاحِبَهُ وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّهَاوُنِ فِيمَا الْتَزَمَهُ وَعَاهَدَ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الشَّهَادَةِ فِي آيَةِ شَهِدَ اللهُ [3: 18] إِلَخْ.