قال الحسن وابن جريج: كانت اليهود عاملوا العرب.
فلمّا أسلموا امتنعوا من ردِّ أموالهم، وقالوا: لا يحق لكم بعد
أن دخلتم فِي الإِسلام، وقيل معناه: ليس علينا سبيل لكوننا
أبناء الله وأحباءه، ومن عدانا عبيدٌ لنا، ومالهم مالنا فلا حرج
علينا فِي تناوله، وهذه أقوال متقاربة، وكانوا قد زعموا أن
ذلك دين شرعه الله لهم، فأكذبهم بقوله: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) ، وذكر أنهم يعلمون أن الأمر بخلاف ما يقولون تعظيما لكذبهم.
قوله عز وجل: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)
عهده: يصِحُّ أن يُقدَّر مضافًا إلى الفاعل، وأن يكون مضافًا إلى
المفعول، فالإِنسان مدعو إلى الوفاء بهما، وقيل: وفي لغة
نجد، وأوفى لغة الحجاز، وقيل: هما كمحمد وأحمد.
و (بَكَ) قيل: هو إضراب عن الأول، أي بلى عليهم سبيل، فيكون
وقفا، وقيل: فيه مع الإِضراب عن الأول اعتماد على الثاني.
نحو أن يُقال: قدم فلان. فتقول بلى طلب كذا فلا يوقف عليه.
إن قيل: ما وجه قوله: (وَاتَّقَى) بعد قوله: (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) ؟
قيل: فيه وجهان: أحدهما: أي يجُعلُ التقوى عامًّا، وإذا جعلت
التقوى خاصَّا فلأنها هي المقصودة.
إن قيل لِمَ: (يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) ، ولم يقل: يحبهم؟
قيل: تنبيهًا أن محبته إياهم لأجل التقوى، فإنك إذا
قلت: جاءني يزيد الظريف فأكرمته، لم يقتضِ صريح اللفظ أن
إكرامك إياه لظرفه، وفي الآية تنبيه على قياسٍ نتيجتُه أن الله تعالى لا
يحبُّ اليهود بوجهٍ، وبيانه أن الله يحب المتقين، ومن لا يوف بعهده
أفليس بِمُتَّقٍ، واليهود غير موفين، فإذن لا يحبُّهم الله.