يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) .
وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) : صيره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأول.
ويحتمل: أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه على ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) ؛ وكقوله: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وقوله: (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) .
نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.
وقوله: (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) :
أي: لا يجعل لخيراتهم ثوابًا.
ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم اللَّه منهم أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.
وقوله: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ(78)
أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل:
(لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ)
أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.