وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى إِسْلَامِ الْكَارِهِ الْإِسْلَامَ. وَصِفَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِسْلَامُهُ: إِقْرَارُهُ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُ وَرَبُّهُ، وَإِنْ أَشْرَكَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِسْلَامُ الْكَارِهِ مِنْهُمْ كَانَ حِينَ أُخِذَ مِنْهُ الْمِيثَاقُ، فَأَقَرَّ بِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِإِسْلَامِ الْكَارِهِ مِنْهُمْ سُجُودَ ظِلِّهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ إِسْلَامُهُ بِقَلْبِهِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَاسْتِقَادَتِهِ لَأَمْرِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ أُلُوهَتَهُ بِلِسَانِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ إِسْلَامَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النَّاسِ كَرْهًا حَذَرَ السَّيْفِ عَلَى نَفْسِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ أَسْلَمُوا طَوْعًا، وَأَنَّ الْكَافِرَ أَسْلَمَ فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِسْلَامٌ كَرْهًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فِي عُبَادَةِ الْخَلْقِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} "فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَإِلَيْهِ يَا مَعْشَرَ مَنْ يَبْتَغِي غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَسَائِرَ النَّاسِ (تُرْجَعُونَ) يَقُولُ: إِلَيْهِ تَصِيرُونَ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَمُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تَحْذِيرُ خَلْقِهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَيَصِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 5/} "