وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: الْخَبَرُ عَنْ أَخْذِ اللَّهِ الْمِيثَاقَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِتَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأَخْذِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى أُمَمِهَا، وَتُبَّاعِهَا الْمِيثَاقَ بِنَحْوِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهَا رَبُّهَا مِنْ تَصْدِيقِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بِمَا جَاءَتْهَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِذَلِكَ أُرْسِلَتْ إِلَى أُمَمِهَا، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِمَّنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أَنَّ نَبِيًّا أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ بِتَكْذِيبِ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُجَجِهِ فِي عِبَادِهِ، بَلْ كُلُّهَا وَإِنْ كَذَّبَ بَعْضُ الْأُمَمِ بَعْضَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِجُحُودِهَا نُبُوَّتَهُ مُقِرٌّ بِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ، فَعَلَيْهَا الدَّيْنُونَةُ بِتَصْدِيقِهِ فَذَلِكَ مِيثَاقٌ مُقِرٌّ بِهِ جَمِيعُهُمْ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمِيثَاقَ إِنَّمَا أُخِذَ عَلَى الْأُمَمِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّينَ، فَسَوَاءٌ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِنْهَا رَبُّهَا، أَوْ قَالَ: لَمْ يَأْمُرْهَا بِبِلَاغِ مَا أُرْسِلَتْ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِتَبْلِيغِهِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا خَبَرَانِ مِنَ اللَّهِ عَنْهَا، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهَا، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَمَرَهَا، فَإِنْ جَازَ الشَّكُّ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ فِي الْآخَرِ.
وَأَمَّا مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ عَلَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ أُمِرَ بَعْضُهَا بِتَصْدِيقِ بَعْضٍ، وَتَصْدِيقُ بَعْضِهَا بَعْضًا، نُصْرَةٌ مِنْ بَعْضِهَا بَعْضًا. تَمَّ اخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ عُنُوا بِذَلِكَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، أُخِذَتْ مَوَاثِيقُهُمْ أَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَنْ يَنْصُرُوهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَمَّنْ قَالَهُ.