ثُمَّ اخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالْ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، فَمَا عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى: الَّذِي عِنْدَهُمْ. وَكَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ مِنْ أَجْلِ الَّذِي آتَاهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ: يَعْنِي: ثُمَّ إِنْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ، يَعْنِي ذِكْرَ مُحَمَّدٍ فِي التَّوْرَاةِ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، أَيْ لَيَكُونَنَّ إِيمَانُكُمْ بِهِ لِلَّذِي عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ «لَمَا» ، وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِلَّذِي آتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ، ثُمَّ جُعِلَ قَوْلُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ مِنَ الْأَخْذِ، أَخْذِ الْمِيثَاقِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: أَخَذْتُ مِيثَاقَكَ لَتَفْعَلَنَّ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْلَافِ، فَكَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ: وَإِذَا اسْتَحْلَفَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ لِلَّذِي آتَاهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ، مَتَى جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} بِفَتْحِ اللَّامِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخَذَ مِيثَاقَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَصْدِيقِ كُلِّ رَسُولٍ لَهُ ابْتَعَثَهُ إِلَى خَلْقِهِ فِيمَا ابْتَعَثَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ، كَانَ مِمَّنْ آتَاهُ كِتَابًا، أَوْ مَنْ لَمْ يُؤْتِهِ كِتَابًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَصْفُ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرُسُلِهِ، بِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أُبِيحَ لَهُ التَّكْذِيبُ بِأَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مِنْهُمُ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، كَانَ بَيِّنًّا أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (لِمَا آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللَّامِ، بِمَعْنَى: مِنْ أَجْلِ الَّذِي آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ، لَا وَجْهَ لَهُ مَفْهُومٌ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وَانْتِزَاعٍ عَمِيقٍ.