وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ: {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} بِالنَّصْبِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالَّذِي قَبْلَهُ، بِتَأَوُّلِ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ؟ فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عُبَادَةِ نَفْسِهِ، وَلَا إِلَى اتِّخَاذِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، وَلَكِنَّ الَّذِي لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا رَبَّانِيِّينَ. فَأَمَّا الَّذِي ادَّعَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ» اسْتِشْهَادًا لِصِحَّةِ قِرَاءَتِهِ بِالرَّفْعِ، فَذَلِكَ خَبَرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ سَنَدُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ رَوَاهُ حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونِ لَا يَجُوزُ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا سَنَدُهُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمُحْتَجٍّ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى صِحَّتِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وِرَاثَةً عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِتَأْوِيلٍ عَلَى قِرَاءَةٍ أُضِيفَتْ إِلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِنَقْلِ مَنْ يَجُوزُ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَنْ يَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، يَعْنِي بِذَلِكَ آلِهَةً يُعْبَدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ نَافِيًا عَنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِذَلِكَ: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أَيُّهَا النَّاسُ نَبِيُّكُمْ بِجُحُودِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَعْنِي بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ لَهُ مُنْقَادُونَ بِالطَّاعَةِ مُتَذَلِّلُونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ مِنْهُ أَبَدًا.