يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «رَبَّتْنِي» : وَلِيَ أَمْرِي وَالْقِيَامَ بِهِ قَبْلَكَ مَنْ يَرُبُّهُ وَيُصْلِحُهُ، فَلَمْ يُصْلِحُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ أَضَاعُونِي فَضِعْتُ، يُقَالُ مِنْهُ: رَبُّ أَمْرِي فُلَانٌ فَهُوَ يَرُبُّهُ رَبًّا وَهُوَ رَابُّهُ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي مَدْحِهِ قِيلَ: هُوَ رَبَّانُ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ نَعْسَانُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَسَ يَنْعَسُ، وَأَكْثَرُ مَا يَجِيءُ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَانَ مَا كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ مَاضِيهِ عَلَى «فَعِلَ» مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ سَكْرَانُ وَعَطْشَانُ وَرَيَّانُ، مِنْ سَكِرَ يَسْكَرُ، وَعَطِشَ يَعْطَشُ، وَرَوِيَ يَرْوَى، وَقَدْ يَجِيءُ مِمَّا كَانَ مَاضِيهِ عَلَى «فَعَلَ، يَفْعَلُ» نَحْوَ مَا قُلْنَا مِنْ نَعَسَ يَنْعَسُ، وَرَبَّ يَرُبُّ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَكَانَ الرَّبَّانُ مَا ذَكَرْنَا، وَالرَّبَّانِيُّ: هُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَى مَنْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ، وَكَانَ الْعَالِمَ بِالْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الْمُصْلِحِينَ، يَرُبُّ أُمُورَ النَّاسِ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُمُ الْخَيْرَ، وَدُعَائِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ، وَكَانَ كَذَلِكَ الْحَكِيمُ التَّقِيُّ لِلَّهِ، وَالْوَلِيُّ الَّذِي يَلِي أُمُورَ النَّاسِ عَلَى الْمِنْهَاجِ الَّذِي وَلِيَهُ الْمُقْسِطُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ أُمُورَ الْخَلْقِ بِالْقِيَامِ فِيهِمْ، بِمَا فِيهِ صَلَاحُ عَاجِلِهِمْ وَآجِلِهِمْ، وَعَائِدَةُ النَّفْعِ عَلَيْهِمْ فِي دِينَهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ كَانُوا جَمِيعًا مُسْتَحِقِّينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ}
فَالرَّبَّانِيُّونَ إِذًا، هُمْ عِمَادُ النَّاسِ فِي الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَأُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ: «وَهُمْ فَوْقَ الْأَحْبَارِ» ، لِأَنَّ الْأَحْبَارَ هُمُ الْعُلَمَاءُ. وَالرَّبَّانِيُّ: الْجَامِعُ إِلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْبَصَرَ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْقِيَامِ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ، وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}