يا عيسى بن مريم ابن البكر البتول! ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من قد ودع الأهل وقَلا الدنيا وترك اللذات لأهلها من بعده، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن على ذلك تُلين الكلام وتُفشي السلام، وكُن يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذراً لما هو آت من أمر المعاد وزلازل الأهوال حيث لا ينفع مال ولا ولد ولا أهل، وأكحل عينك بملمول الحزن إذا ضحك البطَّالون، وابكِ بكاء من قد علم أنه مودع العلم النازل من عند الله الذي هو أقرب إليك من حبل الوريد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، فطُوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين، فَرُحْ من الدنيا بالله فيوما، وذق مذاقة ما قد هرب منك أين طعمه، وما لم يأتك كيف لذته.
حقاً ما أقول لك: ما أنت إلا بساعتك ويومك فرح ما أخذت وكيف أرتعت، فاعمل على حساب فإنك مسؤول.
لو رأت عيناك ما أعددت لعبادي الصالحين لذاب قلبك وزهقت نفسك اشتياقاً إليه.
ومن أحسن ما قيل في الصبر قول الحسين بن الحسن الصوفي
التكريتي: من الطويل
تَبارَكَ مَنْ لا يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ... وَشُكْراً عَلى ما قَدْ قَضاهُ وَما حَكَمْ
إِذا كانَ رَبِّيْ عالِما بِسَرِيْرَتِي ... وَكُنْتُ بَرِيْئاً عِنْدَهُ غَيْرَ مُتَّهَمْ
فَقُلْ لِظَلُوْمٍ ساءَنِيْ سُوْءُ فِعْلِهِ ... سَيَنْتَصِفُ الْمَظْلُوْمُ مِنْ كُلِّ مَنْ ظَلَمْ
فَيا نَفْسُ لِي فِي يُوْسُفٍ خَيْرُ أُسْوَةٍ ... فَصَبْراً فَإِنَّ الصَّبْرَ خَيْرٌ مِنَ النَّدَمْ
* تَنْبِيْهٌ:
روى الإمام أحمد في"الزهد"عن وهب قال: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك طريق أو سبيل أهل البلاء فطب نفساً؛ فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين، وإذا سلك بك طريق أهل الرخاء فقد خُولف بك طريق الأنبياء والصالحين.
وفي الحديث الصحيح:"أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأَمْثَل"، وقد سبق.
واعلم أن بلاء الأنبياء ومن على طريقتهم مقرون بالصبر والسلامة من الفتنة، وبهذا يفرق بين بلائهم وبلاء من سواهم.
110 -ومن أعمال الأنبياء عليهم السلام: الدعاء.