لقد أعلمنا الحق أنه قد عرض شهادة الأنبياء على بعضهم ، وشهادة الأنبياء على أممهم ، وشهادة الله سبحانه على الجميع ، وذلك أوثق العهود وآكدها. ولذلك يزداد موكب الإيمان تآزرا وتلاحما ، فلا يأتي مؤمن برسالة من السماء ليصادم مؤمنا آخر برسالة من السماء.. ولندع المصادمة لمن لا يؤمنون برسالة السماء ، وحين يتكاتف المؤمنون برسالة السماء يستطيعون الوقوف أمام هؤلاء الملاحدة ، وبعد هذا البيان الواضح يقول الحق: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
معنى"تولى"هي مقابل"أقبل". و"أقبل"تعني أنه جاء بوجه عليك. و"تولى"أعرض كما نقول نحن فِي تعبيراتنا الشائعة:"أعطاني ظهره". ومعنى هذا أنه لم يأبه لي ، ولم يقبل علي. إذن فالمراد مِنْ أَخْذ العهدِ أن يُقْبَل الناسُ على ذلك الدين ، فالذي يُعرض ويعطي الإيمان الجديد ظهره يتوعده الله ويصفه بقوله: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} بعد ماذا ؟ إنه التولي بعد أخذ العهد والميثاق على النبيين ، وشهادة الأمم بعضها على بعضها ، وشهادة الله على الجميع ، إذن فلا عذر لأحد. فمن أعطى ظهره للنبي الجديد ، فماذا يكون وعيد الله له ؟
إن الحق يصفهم بقوله: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي أن الوعيد هو أن الله يحاسبه حساب الفاسقين ، والفسق - كما نعلم - هو الخروج عن منهج الطاعة. والمعاني - كما تعرف - أخذت وضعها من المحسوسات. لأن الأصل فِي الوعي البشرى هو الشيء المحس أولا ، ثم تأتي المعنويات لتأخذ من ألفاظ المحسوسات. والفسق فِي أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها ؛ فالبلح حين يرطب ، يكون حجم كل ثمرة قد تناقص عن قشرتها. وحينما يتناقص الحجم الطبيعي عن القشرة تصبح القشرة فضفاضة عليه ، وتصبح أي حركة عليه هي فرصة لانفلات الرطبة من قشرتها.