ومن المعلوم أن العقل أيضا لا يساعد عليه فإنك إذا تأملت فيما يجب من الصفات أن يقال باتصاف الواجب تعالى بها كالثبات السرمدي وعدم التغير وعدم تحدد الوجود والإحاطة بكل شيء والتنزه عن الزمان والمكان وما يتبعهما وتأملت فِي تكون إنسان من حين كونه نطفة فجنينا فِي رحم سواء اعتبرت فِي معناه تفسير الملكانيين لهذه الكلمة أو تفسير النسطوريين أو تفسير اليعقوبيين أو غيرهم إذ لا نسبة بين ما له الجسمية وجميع أوصاف الجسمية وآثارها وبين ما ليس فيه جسمية ولا شيء مما يتصف به من زمان أو مكان أو حركة أو غير ذلك فكيف يمكن تعقل الاتحاد بينهما بوجه.
وعدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس وغيره من رؤسائهم القديسيين من تقبيح الفلسفة والازراء بالأحكام العقلية يقول بولس قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء ولأخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق أوليس قد حمق الله حكمة هذا العالم إلى أن قال وإذ اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة نكرز نحن بالمسيح مصلوب رسالة بولس الإصحاح الأول ونظائر هذه الكلمات كثيرة فِي كلامه وكلام غيره وليست إلا لسياسة النشر والإذاعة والتبليغ والعظة يوقن بذلك من أرعى نظره فِي هذه الرسائل والكتب وتعمق فِي طريق تكليمها الناس وإلقاء بياناتها إليهم.
ومن ما مر يظهر ما فِي قولهم إنه تعالى معصوم من الذنوب والخطايا فإن الإله الذي صوروه غير مصون عن الخطأ أصلا بمعنى الغلط فِي الإدراك والغلط فِي الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته.
وأما الذنب والمعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة والانقياد فهو غير متصور فِي حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة فِي حقه سبحانه.