قوله: (والظَّاهر أنه كناية عن غضبه عليهم) جواب آخر عن نفي الْكَلَام فالأربعة
الأجوبة الظَّاهر منها كونها كناية لأنه يمكن أن يراد من عدم التَّكَلُّم معناه الحقيقي، فلا وجه
للحكم بالْمَجَاز وإلا لم يصح إرادة الْمَعْنَى الحقيقي كذا قَالُوا. وفيه نظر لأن كثيرًا من
المواضع يذكر فيه الشيخان كون اللَّفْظ حَقيقَة أو مَجَازًا وسره ضعف القرينة المانعة فإن
نظر إلَى ضعفها يصار إلَى الْحَقيقَة وإن نظر إلَى تحققها يصار إلَى الْمَجَاز فوجه الظهور ما
ذكره المصنف بقوله لقوله: (ولا ينظر) لا ما ذكر أرباب الحواشي يعني
كما أن قَوْلُه تَعَالَى: (ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) كناية فنفي التَّكَلُّم كناية لقوله.
قوله: (فإن من سخط عَلَى غيره واستهان به أعرض عنه) ناظر إلَى قَوْله:(ولا ينظر
إليهم) (وعن التَّكَلُّم معه والالْتفَات نحوه) ولو بما لا يسره ناظر إلَى قَوْله
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: والظَّاهر أنه كناية عن غضبه عليهم وذلك أن عدم التَّكَلُّم لشخص لازم للغضب عليه
فذكر اللازم وأريد به الملزوم، وإنَّمَا لم يجعله مَجَازًا عن الغضب لجواز إرادة نفي حقيقته وعلل ظهور
هذا الْمَعْنَى بقوله: (ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) فإنه متعين في معنى السخط فهو بمعنى.
قوله: عَلَى أن ما قبله كناية عن الغضب.
قوله: فإن من سخط عَلَى غيره الخ. هذا بيان اللزوم بين عدم التَّكَلُّم والغضب في الأول
وبين عدم النظر والسخط في الثاني. وحاصله أن كلا منهما لازم للغضب فذكر اللازم وأريد به
الملزوم فيكون كناية لا مَجَازًا، وهذا هُوَ مفهوم من كلامه لكن كلام الكَشَّاف صريح في أن الثاني
مجاز قال: (ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم، ثم قال
فإن قلت: أي فرق بين اسْتعْمَاله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت: أصله فيمن
يجوز عليه النظر [الكناية؛ لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه] ثم كثر حتى صار عبارة
[عن] الاعتداد والإحسان، وإن لم يكن [ثم] نظر ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر ومجرد الْمَعْنَى
الإحسان مَجَازًا عَمَّا وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر هذا وقد سلف في الكَشَّاف في تفسير
سورة البقرة أن قوله: (ولا يكلمهم الله) كناية عن عدم الإكرام وأما(لا
ينظر إليهم)فهو مجاز عَلَى الاستهانة لأن عدم النظر ملزوم للاستهانة وإطلاق
الملزوم وإرادة اللازم مجاز. قال بعض الشراح فإن قلت: كما أن عدم النظر ملزوم للاستهانة كَذَلكَ
الاستهانة ملزومة لعدم النظر فلم لا يقال إنه كناية لإطلاق اللازم وإرادة الملزوم؟ فالْجَوَاب أن
المجار ينافي إرادة الْحَقيقَة والكتاية لا تنافيها وهاهنا لا يصح إرادة الْحَقيقَة لأن عدم النظر ليس
سلب النظر مُطْلَقًا بل عدمه عَمَّا من شأنه النظر وليس من شأن الله تَعَالَى النظر المُتَعَارَف فتعين أن
يكون مَجَازًا، وإليه أشار بالفرق بين اسْتعْمَاله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه، وحققه بأن
اسْتعْمَاله في الابتداء فيمن يجوز عليه النظر وهو الْإنْسَان عبَارَة عن الاعتداد والإحسان [لأن] من اعتد
بالغير التفت إليه ثم كثر اسْتعْمَاله في هذا الْمَعْنَى حتى صار علمًا واستعمل فيه وإن لم يكن ثم نظر
فهو كناية بالْقيَاس إلَى من يجوز عليه النظر، وأما إذا استعمل فيمن لا يجوز عليه النظر يكون مجاز
الامتناع إرادة الْحَقيقَة. أقول: وكلام الكَشَّاف ميل إلَى الاعتزال حيث لم يجوز عَلَى اللَّه تَعَالَى النظر