قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي
الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77)
قوله: (يستبدلون) أي يشترون اسْتعَارَة تبعية. والْمَعْنَى يتركون عهد الله ويعرضون عنه
ويختارون ثمنًا قليلًا. وتفصيله قد مَرَّ في سورة البقرة والباء داخلة عَلَى المتروك.
قوله: (بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرَّسُول) أَشَارَ إلَى أن العهد مصدر بمعنى
الْمَفْعُول أو بيان للمعنى الشرعي له والْإضَافَة إلَى الْمَفْعُول قوله (والوفاء بالأمانات) إشَارَة
إلى ربطه بما قبله (وأيمانهم) عطف عَلَى عهد الله عطف الخاص عَلَى العام، وإنما جمع
الأيمان لإضَافَتهم إليهم وإفراد العهد لإضَافَته إليه تَعَالَى.
قوله: (وبما حلفوا به) عَلَى أن الإيمان أطلقت عَلَى ما حلفوا به لا عَلَى نفس القسم
(من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه) وسيجيء تفصيله في قَوْله تَعَالَى:(وإذ أخذ الله ميثاق
النبيين)الآية.
قوله: (متاع الدُّنْيَا) فإنه وإن جل قليل مسترذل بالْإضَافَة إلَى ما يفوت عنهم من
حظوظ الْآخرَة.
قوله: (بما يسرهم) توجيه لنفي التَّكَلُّم بأن الْمُرَاد نفيه بما يسره وإن وقع التَّكَلُّم بما
لا يسره فلا ينافيه مثل قَوْلُه تَعَالَى: (يسأل المجرمون(أو بشيء أصلًا) أو الْمَعْنَى ولا
يكلمهم بشيء (وإن الْمَلَائكَة يَسْأَلُونَكُم) والآيات الدَّالَّة عَلَى سؤالهم محمولة عَلَى سؤال
الْمَلَائكَة فلا إشكال بمثل قَوْلُه تَعَالَى (فَوَرَبّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ) وبأمره تَعَالَى
أسند السؤال إلَى ذاته مَجَازًا (يَوْم الْقيَامَة) .
قوله: (أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته) فيكون عدم التَّكَلُّم مَجَازًا عن عدم الانتفاع
إذ ما لا ينتفع به فكأنه معدوم.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: أو لا ينتفعون بكلمات الله.
قوله: بما يسرهم أو [بشيء] . عَلَى الأول المنفي هُوَ التكليم الخاص وعلى الثاني هُوَ العام
والثاني أظهر بإطلاق الْفعْل عن المقيدات.
قوله: وأن الْمَلَائكَة يسألونهم معنى ظَاهر الآية قد دل عَلَى أن الله تَعَالَى لا يكلمهم وقد ثبت
أن الخلائق مسئولون يَوْم الْقيَامَة قال الله تَعَالَى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ولَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلينَ) .
فَكَيْفَ يكون الجمع بين هاتين الْآيَتَيْن وبين تلك الآية. والسؤال إنما يكون بالْكَلَام وإذا لم يكلمهم
الله فمن أين السؤال فأزال تلك الشبهة لقوله (وأن الْمَلَائكَة يسألونهم يَوْم الْقيَامَة) .
قوله: أو لا ينتفعون بكلمات الله، فالْمَعْنَى لا يكلمهم الله بكلام نافع. أقول: هذا في الظَّاهر عين
الوجه الأول والفرق أن الْمُرَاد بالنفي في الأول نفي الْكَلَام السار وفي الثاني نفي الانتفاع بالْكَلَام
فتغايرا باعْتبَار محلي السلب.