قالت اليهود بعضهم لبعض: لا تجعلوا تصديقكم للنبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء مما جاء به، إلا لليهود؛ أي: لا تخبروا أحدًا بصدق ما أتى به، إلا أن يكونَ منكم؛ فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عونًا لهم على تصديقه، ويكون معنى (الإيمان) : الإقرار، كما ذكرنا، وأحد مفعوليه محذوف، والتقدير: لا تقروا إلا لليهود بصدق محمد.
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} هو من كلام الله، معترض من كلام اليهود على ما ذكرنا.
وقوله تعالى: {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ} {أَنْ} في موضع رفع بالابتداء، ولا يجوز أن يُحمل على ما قبله؛ لقطع الاستفهام بينهما، وخبره محذوف؛ والمعنى: أأنْ يُؤتَى أحَدٌ، يا معشر اليهود، مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم، تصدقون به، أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، أو تشيعونه في الناس؟ أو نحو هذا مما دلَّ عليه قوله: {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} . وهذا في قول من قال: (أزيدٌ ضربته) ؟
ومن قال: (أزيدًا ضربته؟) ، كان (أنْ) عنده في موضع نصب.
ومِثْلُ حَذْفِ خبر المبتدأ لدلالة ما قبل الاستفهام عليه: حَذْفُ الفعل في قوله: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ} [يونس: 91] التقدير: آلآن أسلمتَ حين لا ينفعك الإيمانُ من أجل المعاينة؟. فحذف الفعل لدلالة ما قبل الاستفهام عليه. ومثل هذه الآية في المعنى: قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] ، وبَّخ بعضهم بعضًا بالحديث بما علموه من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعرفوه من صفته.
ولعل ابن كثير اعتبر هذه الآية في قراءته.
فإن قيل: فكيف وجْهُ دخول {أحدٌ} في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي [بِلحاقِ] الاستفهام، وإذا انقطع، كان الكلام إيجابًا وتقريرًا، فلا يجوز دخول {أحدٌ} ؟