ثم يمضي التعقيب بعد الدعوة إلى المباهلة - وربما كانت الآيات التالية قد نزلت بعد الامتناع عنها - يقرر حقيقة الوحي ، وحقيقة القصص ، وحقيقة الوحدانية التي يدور حولها الحديث ؛ ويهدد من يتولى عن الحق ويفسد فِي الأرض بهذا التولي:
{إن هذا لهو القصص الحق. وما من إله إلا الله. وإن الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين} .
والحقائق التي تقررها هذه النصوص سبق تقريرها. وهي تذكر هنا للتوكيد بعد الدعوة إلى المباهلة وإبائها.. إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون ، وتهديدهم بأن الله عليم بالمفسدين..
والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم. وما ينشأ فِي الأرض الفساد - فِي الواقع - إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة. لا اعتراف اللسان. فاعتراف اللسان لا قيمة له. ولا اعتراف القلب السلبي. فهذا الاعتراف لا ينشئ آثاره الواقعية فِي حياة الناس.. إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها فِي واقع الحياة البشرية.. وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية ، فتتوحد العبودية.. لا عبودية إلا لله. ولا طاعة إلا لله. ولا تلقي إلا عن الله.
فليس إلا لله تكون العبودية. وليس إلا لله تكون الطاعة. وليس إلا عن الله يكون التلقي.. التلقي فِي التشريع ، والتلقي فِي القيم والموازين ، والتلقي فِي الآداب والأخلاق. والتلقي فِي كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية.. وإلا فهو الشرك أو الكفر. مهما اعترفت الألسنة ، ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشئ آثاره فِي حياة الناس العامة فِي استسلام وطاعة واستجابة وقبول.