وهنا نجد هذا القصص يتناول ذات الحقائق التي يركز عليها سياق السورة ، وتظهر فيها ذات الخطوط العريضة فيها. ومن ثم يتجرد هذا القصص من الملابسة الواقعة المحدودة التي ورد فيها ؛ ويبقى عنصراً أصيلاً مستقلاً ؛ يتضمن الحقائق الأصيلة الباقية فِي التصور الاعتقادي الإسلامي.
إن القضية الأصيلة التي يركز عليها سياق السورة كما قدمنا هي: قضية التوحيد. توحيد الألوهية وتوحيد القوامة.. وقصة عيسى - وما جاء من القصص مكملاً لها فِي هذا الدرس - تؤكد هذه الحقيقة ، وتنفي فكرة الولد والشريك ، وتستبعدهما استبعاداً كاملاً ؛ وتظهر زيف هذه الشبهة وسخف تصورها ؛ وتبسط مولد مريم وتاريخها ، ومولد عيسى وتاريخ بعثته وأحداثها ، بطريقة لا تدع مجالاً لإثارة أية شبهة فِي بشريته الكاملة ، وأنه واحد من سلالة الرسل ، شأنه شأنهم ، وطبيعته طبيعتهم ، وتفسر الخوارق التي صاحبت مولده وسيرته تفسيراً لا تعقيد فيه ولا غموض ، من شأنه أن يريح القلب والعقل ، ويدع الأمر فيهما طبيعياً عادياً لا غرابة فيه.. حتى إذا عقب على القصة بقوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن. فيكون} .. وجد القلب برد اليقين والراحة ؛ وعجب كيف ثارت تلك الشبهات حول هذه الحقيقة البسيطة؟
والقضية الثانية التي تنشأ من القضية الأولى فِي سياق السورة كله هي قضية حقيقة الدين وأنه الإسلام. ومعنى الإسلام وأنه الاتباع والاستسلام.. وهذه ترد كذلك فِي ثنايا القصص واضحة.. ترد فِي قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل: {ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} .