وكذلك ابنا الجلندي ، ملكا عمان وما حولها من ملوك النصارى ، أسلما طوعاً واختياراً. ونحن نذكر قصتهما ، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما ، وهذا لفظه:
"بسم الله الرحمن الرحيم"
من محمد بن عبد الله إلى حيفر وعبيد ابني الجلندي ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد: فإني أدعوكما بداعية الإسلام ، أسلما تسلما ، فإني رسول الله إلى الناس كافة ، لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وَلَّيتكما مكانكما ، وإن أبيتما أن تقرّا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما ، وخيلي تحل بساحتكما ، وتظهر نبوتي على ملككما". وختم الكتاب ، وبعث به مع عمرو بن العاص."
قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان ، فلما قدمتها انتهيت إلى عبيد ، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقاً ، فقلت: إني رسول رسول الله إليك وإلى أخيك ، فقال: أخي المقدم عليَّ بالسن والملك ، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك.
ثم قال لي: وما تدعو إليه ؟ ، قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، وتخلع ما عبد من دونه ، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال: يا عمرو ، إنك سيد قومك ، فكيف صنع أبوك ، فإن لنا فيه قدوة ؟ ، قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ، ووددت أنه كان أسلم وصدّق به ، وكنت أنا على مثل رأيه ، حتى هداني الله للإسلام.
قال: فمتى تبعته ؟ ، قلت: قريباً ، فسألني أين كان إسلامي ؟ ، فقلت: عند النجاشي ، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم.
قال: فكيف صنع قومه بملكه ؟ ، قلت: أقروه ، قال: والأساقفة والرهبان ؟ ، قلت: نعم.
قال: انظر يا عمرو ما تقول ، إنه ليس خصلة فِي رجل أفضح له من كذب ، قلت: ما كذبت ، وما نستحله فِي ذلك.
قلت: كان النجاشي يخرج له خراجاً ، فلما أسلم وصدق بمحمد قال: لا والله لو سألني درهماً واحداً ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله ، فقال له نياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجاً ويدين ديناً محدثاً ؟ ، قال هرقل: رجل رغب فِي دين واختاره لنفسه ، ما أصنع به ، والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع.