وقد روى - كما مر لك -: أنه حضر وفد نصارى نجران على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا ونسبه؟ فقال: مَنْ هو؟ قالوا: عيسى، قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد، قال: أجل هو عبد الله، ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب؟ ومن لا أب له فهو ابن الله، ثم خرجوا من عنده - صلى الله عليه وسلم - ، فجاءه جبريل فقال: قل لهم إذا أتوك:
59 - {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى} ؛ أي: إن شأن عيسى وصفته في خلق الله تعالى إياه على غير مثال سابق؛ أي: من غير أب {كَمَثَلِءَادَمَ} أبي البشر؛ أي: كشأن آدم وصفته، ثم فسر هذا المثل وفصل ما أجمله فقال: {خَلَقَهُ} ؛ أي: خلق آدم وأوجده وكوَّن جسمه {مِنْ تُرَابٍ} ميت؛ حيث أصابه الماء، فكان طينًا لازبًا لزجًا؛ أي: خلقه بلا أب وأم {ثُمَّ} بعد ما كوَّن جسمه من التراب {قَالَ} الله {لَهُ} ؛ أي: لآدم {كُن} بشرًا حساسًا بنفخ الروح فيه {فَيَكُونُ} ؛ أي: فكان بشرًا حساسًا ناطقًا ضاحكًا، والتعبير بالمضارع على حكاية الحال الماضية، أو للفاصلة، وكذلك قال له: كن من غير أب .. فكان ولدًا بلا أب، فإذا كان آدم كذلك، ولم يكن ابنًا لله .. فكذلك عيسى، فمن لم يقرَّ بأن الله خلق عيسى من غير أب مع إقراره بخلق آدم من غير أب ولا أم، فهو خارج عن طور العقلاء، وأيضًا: إذا جاز أن يخلق الله آدم من التراب .. فيجوز خلق الله تعالى عيسى من دم مريم من باب أولى، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقربُ إلى العقل من تولده من التراب اليابس.
ثم أكد الله سبحانه وتعالى صدق هذا القصص، فقال: