(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) .
إن قيل: لِمَ قال: (عِنْدَ اللَّهِ) . أهو يشبهه عند الله دون غيره ؟
قيل: عنى بقوله: (عِنْدَ اللَّهِ) . فِي حكمه ، وأن ذلك لا يشق عليه كما
لم يشق عليه أن خلق آدم من غير أبوين.
إن قيل: ما معنى قوله:
(كُنْ) بعد أن خلقه من تراب ؟
قيل: معناه كن إنسانا حيّا ناطقا ، وهو لم يكن كذلك ، بل كان دهرًا جسدًا ملقى لا روح فيه.
على ما رُوي فِي الخبر ، ثم جُعل فيه الروح ، وجعل كن عبارة
عن إيجاد الصورة التي بها صار الإِنسان إنسانا ، وعلى هذا
قال: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
فالمقول له الجسد ، وقد تقدم الكلام فِي كن.
إن قيل: لِمَ قال: (فيكون) ولم يقل فكان ؟
قيل: يكون عبارة عن حال كونه ، وحكاية الحال هكذا يُخرجُ نحو قولهم: فلان قال أمس كذا فيُفعل به كذا.
إن قيل: لِمَ رُفِعَ يكون ولم يُنصب على جواب الأمر ؟
قيل: جواب الأمر يجب أن يكون غيره ، نحو: ائتني
فأكرمك ، وتقديره: ائتني فإنك إن تأتني أكرمك ، ولو جُعل
فيكون جواباً لكان ، تقديره كن ، فإنك إن تكن تكن ، وهذا لا
يصح ؛ لأن معنى الجواب معنى الشرط ، وإذا رُفِعَ فتقديره: فهو يكون.
قوله عز وجل: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60)
الامتراء: استخراج الرأي للشك العارض ، ويُجعل عبارة عن
الشك ، وإنما قال: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ولم يقل ممترياً.
ليكون فيه ذم من شك فِي عيسى.
وقوله (الْحَقُّ) خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ وخبره (مِنْ رَبِّكَ) .
ونبّه أن الحق في
ذلك ، بل فِي الأمور كلها ما يكون مصدره من الله تعالى.
وقوله: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) وإن كان خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فالمقصد به عام.