فمن لا يحب شيئاً لا يتعاطاه مع استغنائه عنه.
إن قيل: ما وجه إعادة ذكر عذاب الكافرين وثواب المؤمن العاقل الصالح فِي هذا المكان ؟
قيل: إن ذلك مقترن بمخاطبته عيسى ، وهو قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)
وتقديره: الذين كفروا بك ، آمنوا بك. لكن حُذِف ذلك اختصار.
قوله عز وجل: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58)
التلاوة والتنزيل والقص متقارب ، لكن يقال:
التلاوة اعتباراً بمساوقة بعض الكلام بعضاً بالولاء ، والإِنزال
اعتباراً بإخبار الأعلى الأدون ، والأرفع للأوضع.
والقَصُّ اعتباراً باقتطاع الخبر على ما هو به ، وقصَّ أثره.
والحكيم: المحكم ، إشارة إلى قوله: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) .
ويجوز أن يكون بمعنى فاعل ، كأنه ناطق بالحكمة وفاعل لها ، لا لاقتضائه إياها.
وقوله: (ذلك) : مبتدأ ، و (نتلوه) : خبره ، وقيل: ذلك تقديره:
الذي ، و (نتلوه) : صلته ، والخبر قوله (من الآيات)
وتلاوته: إنزاله ، ويجوز أن تُجعل تلاوة جبريل والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأوليائه تلاوة لمّا كان بأمره ، فأفعال أوليائه قد تنسب إليه ، كقوله
عز وجل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) .
وقوله فِي موضع آخر: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) .
قوله عزِ وجل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)
لما ذكر تعالى مكان عيسى من الفضيلة ، وما آتاه من المنزلة.
كَذَّبَ النصارى فيما ادعوه من بنوته ،
وبيّن كيفية خلقه من غير ذكر.
إن قيل: كيف يكون عيسى مثل آدم وآدم لم يضمّه رحِم ؟
قيل: إن ذلك تكذيب للنصارى فيما ادعوه.
وذلك أن أهل نجران قالوا: ما رأينا ابناً بلا أب ؟
فأنزل الله ذلك تبيينا: أن ليس أمر عيسى بأعجب من أمر آدم.
إذ هو لم يُخْلق من ذكر ولا أنثى وعلى نحوه دلّ قوله: