فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 81940 من 466147

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) }

يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ شَبَهَ عِيسَى فِي خَلْقِي إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَأَخْبِرْ بِهِ يَا مُحَمَّدُ الْوَفْدَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ عِنْدِي كَشَبَهِ آدَمَ الَّذِي خَلَقْتُهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ، مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، وَلَا ذَكَرٍ، وَلَا أُنْثَى يَقُولُ: فَلَيْسَ خَلْقِي عِيسَى مِنْ أُمِّهِ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، بِأَعْجَبَ مِنْ خَلْقِي آدَمَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثًى، فَكَانَ لَحْمًا، يَقُولُ: وَأَمْرِي إِذْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَكُونَ فَكَانَ، فَكَذَلِكَ خَلْقِي عِيسَى أَمَرْتُهُ أَنْ يَكُونَ فَكَانَ.

وَذَكَرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ احْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي عِيسَى.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،"وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ فِيهِمُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ، فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ: مَا شَأْنُكَ تَذْكُرُ صَاحِبَنَا؟ فَقَالَ: «مَنْ هُوَ؟» قَالُوا: عِيسَى، تَزْعُمُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: «أَجَلْ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ» قَالُوا لَهُ: فَهَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ عِيسَى أَوْ أُنْبِئْتَ بِهِ؟ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ رَبِّنَا السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إِذَا أَتَوْكَ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ."

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ: «كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ» ، وَآدَمُ مَعْرِفَةٌ، وَالْمَعَارِفُ لَا تُوصَلُ؟

قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} غَيْرُ صِلَةٍ لِآدَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ عَنْ أَمْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ عَنِ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ وَكَيْفَ كَانَ؟.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} فَإِنَّمَا قَالَ: «فَيَكُونُ» ، وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ خَلْقِ آدَمَ، وَذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ قَدْ تَقَضَّى، وَقَدْ أَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنْهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَمَّا قَدْ مَضَى، فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ أَنَّ تَكْوِينَهُ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: {كُنْ} ثُمَّ قَالَ: «فَيَكُونُ» خَبَرًا مُبْتَدَأً، وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَرُ عَنْ أَمْرِ آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «كُنْ» .

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ؛ وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ مَا قَالَ لَهُ رَبُّكَ: كُنْ، فَهُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ يُرَادُ بِهِ إِعْلَامُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَائِنٌ مَا كَوْنُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَلَا أَوَّلٍ وَلَا عُنْصُرٍ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت