يكونا، وفي أنهما مخلوقين من العناصر التي ركب الله عليها الدنيا، وتساويا في فقد
الأب، وفي العبودية، وفي النبوة، وفي المحنة؛ وذلك أن عيسى - عليه السلام - قاسى من
اليهود ما قاسى، وعانى منهم ما عاناه، وعارضه إبليس - لعنه الله - في المقار،
وقاسى آدم - عليه السَّلام - من إبليس ما قاساه، وكانا معًا يأكلان ويشربان، وتساويا في الفقر
والفاقة إلى الله - عز وجل - .
قال الله - جلَّ جلالُه -:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)فنسله يخرجه - جلَّ جلالُه - بعضهم
من بعض إلى أن تقوم السَّاعة.
وتساويا في التركيب والتأليف، وتساويا في الأجزاء والأبعاض، وتساويا في
الرفع والإنزال، وذلك أن آدم - عليه السلام - رفع إلى الجنة ثم أنزله إلى الأرض، ورفع عيسى
-عليه السلام - وسينزل إلى الأرض ونزوله من أشراط السَّاعة.
وتساويا في الإلهام، حيث قال آدم لما عطس:"الحمد لله"، وقال عيسى - عليه السلام -
لما خرج من بطن أمه: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) .
وتساويا في العلم؛ بيان ذلك: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وقال -
جلَّ من قائل - في عيسى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(48) .
وتساويا في نفخ الروح فيهما، وتساويا في الموت(كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا
وَجْهَهُ)و (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) فنال بهذه
الفائدة الكاف والتشبيه، وإلى هذا كله فإني أرى - والله أعلم - أن التمثيل المقصود
بالإخبار عنه، والتشبيه هو أن هذا كله له، وهذا كله له، خلق - جلَّ جلالُه - آدم من تراب، ثم
قال:"كن"كإرادتي فيك ومشيئتي منك فكان، ثم هو يكون إلى قيام الساعة.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ