هنا ما نص عليه، وما عرَّض به، وأعرض إليه في القرآن العزيز والذكر الحكيم هو
-والله أعلم - ما تلاه - عز وجل - من اصطفائه إبراهيم وآدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران
على العالمين، وبخاصة ما تلا علينا - عز وجل - من ذكر مريم وابنها عِيسَى، وزكريا وابنه
يحيى - عليهم الصلاة والسلام - وما هما مؤهلَين له في المستقبل.
وهذا كله متزع من الذكر الحكيم، الذي قال جلَّ قوله للقلم:"اكتب علمي في خلقي"أحكمت آياته، ثم فصلت إلى ما فصلت إليه، ثم إلى ما فصلت على لسان
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم على ألسنة العلماء من أمته.
قال الله - عز وجل -: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ...(59)
المَثل والمِثل كالشبه والأثر والبدل، والبدل: العشق، والمثل: نفس
الشيء ، وهو ما يعبر عنه بالمثل والعين والشبه ونحو هذا، وكذلك المثال: مثال
الشيء: صفاته وما هو منه، وبه قرأ علي بن أبي طالب وطلحة بن مصرف -
رضي الله عنهما: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) .
ويروى عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أيضًا:"أمثال الجنة".
وبالجملة: فالمثل هو ما شبه به الشيء ؛ ليفهم، فيضرب له مثلاً من غيره يكون
ذلك المضروب به المثل معلومًا عند المضروب له المثل؛ فيُفهِّم ذلك المجهول
بالمعلوم، فضرب الله - جلَّ جلالُه - مثلا للجنة التي غيبت عنا بما هو عندنا معهود بأنهار من ماءٍ ولبن وعسل وخمر، وأن فيها من كلِّ الثمرات.
هذه هي صورة الدنيا غير أنها لا تطيب للمؤمن إلا رضوان الله - جلَّ جلالُه - ومغفرته،
فضمن ذلك المثل فهو خير من جهةٍ ما، وتقريب الأفهام من أخرى، ولما كان ما
هنا من موجود أنهار ماء ولبن وعسل وخمر ورضوان وجنات ونعيم أصل من
موجود الجنة، كان مثلاً ومثالاً؛ إذ الدار الآخرة لهذه الدار الدنيا بالإضافة إلى
وجودها، كالقافية والأولى والمثال وما يعبر عنه به.