لقد جعل الله لهم عذرا فِي أن يقولوا: إنه قتل أو صلب ؛ لأنه شبه لهم وكان من المعقول أن يلتمسوا من الإسلام حلا لهذه المشكلة ، لأن الإسلام جاء ليقول:"لا ، لقد شبه لكم ، فما قتلوه وما صلبوه ؛ لأن هذا الفعل - القتل أو الصلب - ينقض فكرتهم عن أنه إله أو ابن إله. لأن المصلوب لو كان إلها أو ابن إله ، لكانت لديه القدرة التي تغلب الصالب ، فكيف يعقل الإنسان أن ينقلب الإله - أو ابن الإله - مقدورا عليه من مخلوق ؟ والإسلام عندما يقول: إن عيسى ابن مريم لم يصلب فقد كرمه الله. وهكذا ترى أن الإسلام قد جاء ليصفى العقائد كلها من عيوب التحريف التي قام بها المتبعون لتلك الأديان."
وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعرض علينا قضية جدلية حدثت فِي أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى يخرج الناس - مسلمين ونصارى ويهودا - من هذه البلبلة ، وأن يتم ذلك فِي مودة ، لأنهم كلهم مؤمنون بالعبودية لمعبود واحد. فقد جاء وفد من نصارى نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي المدينة ، والتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لهؤلاء القوم جدل مع اليهود ، ولهم جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان لليهود والنصارى معا جدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والجدل بين اليهود والنصارى مصدره أن لليهود والنصارى قولا متضاربا فِي بعضهم بعضا يرويه لنا الحق:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] .