إنه سبحانه يبلغ عيسى إنني سأخذك تاما غير مقدور عليك من البشر ومطهرك من خبث هؤلاء الكافرين ونجاستهم ، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. وكلمة"اتبع"تدل على أن هناك"مُتَّبعاً"يتلو مُتّبعا. أي أن المتبِّع هو الذي يأتي بعد ، فمن الذي جاء من بعد عيسى بمنهج من السماء ؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن على أي منهج يكون الذين اتبعوك ؟ أعلى المنهج الذي جاؤا به أم المنهج الذي بلغته أنت يا عيسى ؟ إن الذي يتبعك على غير المنهج الذي قلته لن يكون تبعا لك ، ولكن الذي يأتي ليصحح الوضع على المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك. وقد جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما أراده الله. {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فإن أخذنا المعنى بهذا ؛ فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي التي اتبعت منهج الله الذي جاء به الرسل جميعا ، ونزل به عيسى أيضا ، وأن أمة محمد قد صححت كثيرا من القضايا التي انحرف بها القوم. نقول ليس المراد هنا من"فوق"الغلبة والنصر ، ولكننا نريد من"فوق"الحجة والبرهان. وذلك إنما يحدث فِي حالة وجود قوم منصفين عقلاء يزنون الأمور بحججها وأدلتها وهم لن يجدوا إلا قضية الإسلام وعقيدة الإسلام.
إذن ، فالفوقية هي فوقية ظهور دليل وقوة برهان. ولذلك قال الحق سبحانه:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] .
وفي موقع آخر من القرآن الكريم ، يؤكد الحق ظهور الإسلام على كافة الأديان وهو الشاهد على ذلك:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [الفتح: 28] .