إذن ،"فمتوفيك"تعني مرة تمام الشيء ،"كاستيفاء المال"وتعني مرة"النوم". وحين يقول الحق: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ماذا يعني ذلك ؟ إنه سبحانه يريد أن يقول: أريدك تماما ، أي أن خلقي لا يقدرون على هدم بنيتك ، إني طالبك إلى تاما ، لأنك فِي الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر ، لكني سآتي بك فِي مكان تكون خالصا لي وحدى ، لقد أخذتك من البشر تامّاً ، ومعنى"تاما"، أي أن الروح فِي جسدك بكل مواصفاته ، فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لم يتمكنوا منه.
إذن ، فقول الحق: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} هذا القول الحكيم يأتي مستقيما مع قول الحق: {مُتَوَفِّيكَ} . وقد يقول قائل: لماذا نأخذ الوفاة بهذا المعنى ؟ نقول: إن الحق بجلال قدرته كان قادرا على أن يقول: إني رافعك إليّ ثم أتوفاك بعد ذلك. ونقول أيضا: من الذي قال: إن"الواو"تقتضي الترتيب فِي الحدث ؟ ألم يقل الحق سبحانه:
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 16] .
هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها ؟ إن العذاب إنما يكون من بعد النذر. إن"الواو"تفيد الجمع للحدثين فقط. ألم يقل الله فِي كتابه أيضا:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الأحزاب: 7] .
إن"الواو"لا تقتضي ترتيب الأحداث ، فعلى فرض أنك قد أخذت {مُتَوَفِّيكَ} أي"مميتك"، فمن الذي قال: إن"الواو"تقتضي الترتيب فِي الحدث ؟ بمعنى أن الحق يتوفى عيسى ثم يرفعه. فإذا قال قائل: ولماذا جاءت {مُتَوَفِّيكَ} أولا ؟ نرد على ذلك: لأن البعض قد يظن أن الرفع تبرئة من الموت.