قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْرٍ:"إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ لِلْغُلَامِ فِي الْكُتَّابِ: يَا فُلَانُ، إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ خَبَّئُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّعَامِ فَتُطْعِمُنِي مِنْهُ؟"فَهَكَذَا فِعْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُجَجُهَا إِنَّمَا تَأْتِي بِمَا أَتَتْ بِهِ مِنَ الْحَجِجِ بِمَا قَدْ يُوصَلُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْحِيَلِ، عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَيْرُهَا، بَلْ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَلْقُ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِحِيلَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} مَا تَأْكُلُونَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْكُمْ، وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا
وَأَصْلُ يَدَّخِرُونَ مِنَ الْفِعْلِ يَفْتَعِلُونَ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ذَخَرْتُ الشَّيْءَ بِالذَّالِ، فَأَنَا أَذْخُرُهُ، ثُمَّ قِيلَ: يَدَّخِرُ كَمَا قِيلَ: يَدَّكِرُ، مِنْ ذَكَرْتُ الشَّيْءَ، يُرَادُ بِهِ يَذْتَخِرُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الذَّالُ وَالتَّاءُ وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَخْرَجِ، ثَقُلَ إِظْهَارُهَمَا عَلَى اللِّسَانِ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى وَصُيِّرَتَا دَالًا مُشُدَدَّةً صَيَّرُوهَا عَدْلًا بَيْنَ الذَّالِ وَالتَّاءِ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُغَلِّبُ الذَّالَ عَلَى التَّاءِ فَيُدْغِمُ التَّاءَ فِي الذَّالِ، فَيَقُولُ: وَمَا تَدَّخِرُونَ وَهُوَ مُدَّخَرٌ لَكَ، وَهُوَ مُذَّكِرُ وَاللُّغَةُ الَّتِي بِهَا الْقِرَاءَةُ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ إِدْغَامُ الذَّالِ فِي التَّاءِ، وَإِبْدَالِهِمَا دَالًا مُشَدَّدَةً لَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِهَا لِتَظَاهُرِ النَّقْلِ مِنَ الْقُرَّاءِ بِهَا، وَهُوَ اللُّغَةُ الْجُودَى، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائِلَهُ ... عَفْوًا وَيُظْلَمُ أَحْيَانًا فَيَظَّلِمُ
يُرْوَى بِالظَّاءِ، يُرِيدُ: فَيَفْتَعِلُ مِنَ الظُّلْمِ، وَيُرْوَى بِالطَّاءِ أَيْضًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}