يَعْنِي بِذَلِكَ: وَمَا تَرْفَعُونَهُ فَتُخَبِّئُونَهُ وَلَا تَأْكُلُونَهُ، يُعْلِمُهُمْ أَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَيْضًا عَلَى نُبُوَّتِهِ مَعَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَعْلَمُهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ: مِنْ خَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، الَّتِي لَا يُطِيقُهَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، عِلْمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ، وَآيَةً لَهُ عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ إِنْبَاءَهُ عَنِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ الَّذِينَ سَبِيلَهُمْ سَبِيلُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} مِنَ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى صِدْقِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْمُتَنَجِّمَةَ وَالْمُتَكَهِّنَةَ تُخْبِرُ بِذَلِكَ كَثِيرًا فَتُصِيبُ؟
قِيلَ: إِنَّ الْمُتَنَجِّمَ وَالْمُتَكَهِّنَ مَعْلُومٌ مِنْهُمَا عِنْدَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا يُنْبِئَانِ بِهِ عَنِ اسْتِخْرَاجٍ لَهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِيَةِ إِلَى عِلْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمِنْ سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عِيسَى يُخْبِرُ بِهِ عَنْ غَيْرِ اسْتِخْرَاجٍ وَلَا طَلَبٍ لِمَعْرِفَتِهِ بِاحْتِيَالٍ، وَلَكِنْ ابْتِدَاءً بِإِعْلَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذَلِكَ؛ احْتَذَاهُ، أَوْ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ فَزِعَ إِلَيْهِ، كَمَا يَفْزَعُ الْمُتَنَجِّمُ إِلَى حِسَابِهِ، وَالْمُتَكَهِّنُ إِلَى رِئْيِهِ، فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ عَلْمِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْغُيُوبِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهَا، وَبَيْنَ عِلْمِ سَائِرِ الْمُتَكَذِّبَةِ عَلَى اللَّهِ، أَوِ الْمُدَّعِيَةِ عِلْمَ ذَلِكَ.