وذلك أن حنة لما ولدت مريم .. أتت بها سدنة بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها الأحبار؛ لكونها بنت إمامهم ورئيسهم، أو لكونها حررت لعبادة الله وخدمة المسجد، فاقترعوا عليها، فخرجت القرعة لزكريا؛ أخذها ورباها كما سبق. قال ابن كثير: وإنما قدر الله كون زكريا كافلًا لها؛ لسعادتها، ولتقتبس منه علمًا جمًّا وعملًا صالحًا.
وفي"الفتوحات الإلهية": واعلم أن هذا الكلام ونحوه كقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ} وإن كان معلومًا انتفاؤه جارٍ مجرى التهكم بمنكر الوحي يعني: أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ولم تدارس أحدًا في العلم .. فلم يبقَ اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي. انتهى.
45 -واذكر يا محمَّد لأمتك قصة {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} ؛ أي: جبريل لمريم وقرأ ابن مسعود وابن عمرو: {إذ قال الملائكة} . {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ} : سبحانه وتعالى {يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} ؛ أي: بولد مخلوق بكلمة واقعة من الله سبحانه وتعالى، وهي كلمة: كن؛ أي: من غير واسطة الأسباب العادية، فإن غير عيسى من كل مخلوق، وإن وجد بكلمة: كن، لكنه بواسطة أب، وقوله: {مِنْهُ} نعت لـ {كلمة} و {من} للابتداء؛ أي: كلمة كائنة من الله؛ أي: مبتدأة وناشئة منه تعالى.
واعلم: أن أول المبشر به قوله: {بِكَلِمَةٍ} ، وآخره قوله: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، وقوله: {قَالَتْ رَبِّ} إلى قوله: {فَيَكُونُ} اعتراض في خلال المبشر به، فالمبشر به نحو خمسة عشر شيئًا: كونه ولدًا، وكون اسمه كذا، وكونه وجيهًا،