(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) : أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْقَوِيَّ الَّذِي يَسْتَوْلِي عَلَى الْقَلْبِ وَيَسْتَحْوِذُ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ يُحْدِثُ فِي عَالَمِ الْمَادَّةِ مِنَ الْآثَارِ مَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَادِ ، فَكَمْ مِنْ سَلِيمٍ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُصَابٌ بِمَرَضِ كَذَا وَلَيْسَ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ مِنْ جَرَاثِيمِ هَذَا الْمَرَضِ ، فَوَلَّدَ لَهُ اعْتِقَادُهُ تِلْكَ الْجَرَاثِيمَ الْحَيَّةَ وَصَارَ مَرِيضًا ، وَكَمْ مِنَ امْرِئٍ سُقِيَ الْمَاءَ الْقَرَاحَ أَوْ نَحْوَهُ فَشَرِبَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سُمٌّ نَاقِعٌ فَمَاتَ مَسْمُومًا بِهِ ، وَالْحَوَادِثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ أَثْبَتَتْهَا التَّجَارِبُ ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا بِهَا فِي أَمْرِ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ نَقُولُ: إِنَّ مَرْيَمَ لَمَّا بُشِّرَتْ بِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - سَيَهَبُ لَهَا وَلَدًا بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ، وَهِيَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ ، انْفَعَلَ مِزَاجُهَا بِهَذَا الِاعْتِقَادِ انْفِعَالًا فَعَلَ فِي الرَّحِمِ فِعْلَ التَّلْقِيحِ ، كَمَا يَفْعَلُ الِاعْتِقَادُ الْقَوِيُّ فِي مِزَاجِ السَّلِيمِ فَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ ، وَفِي مِزَاجِ الْمَرِيضِ فَيَبْرَأُ ، وَكَانَ نَفْخُ الرُّوحِ الَّذِي وَرَدَ فِي سُورَةِ أُخْرَى مُتَمِّمًا لِهَذَا التَّأْثِيرِ .