(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْكَلِمَةِ لِمَزِيدِ إِيضَاحِهِ لِكَلَامِ اللهِ الَّذِي حَرَّفَهُ قَوْمُهُ الْيَهُودُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَجَعَلُوا الدِّينَ مَادِّيًّا مَحْضًا ، قَالَهُ الرَّازِيُّ وَجَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ وَصْفِ النَّاسِ لِلسُّلْطَانِ الْعَادِلِ بِظِلِّ اللهِ وَنُورِ اللهِ ; لِمَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ ظِلِّ الْعَدْلِ وَنُورِ الْإِحْسَانِ ، قَالَ: فَكَذَلِكَ كَانَ عِيسَى سَبَبًا لِظُهُورِ كَلَامِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِسَبَبِ كَثْرَةِ بَيَانَاتِهِ لَهُ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَاتِ وَالتَّحْرِيفَاتِ عَنْهُ .
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلِمَةِ كَلِمَةُ الْبِشَارَةِ لِأُمِّهِ ، فَقَوْلُهُ: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ مَعْنَاهُ بِخَيْرٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِشَارَةٍ ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَلْقَى إِلَيَّ فُلَانٌ كَلِمَةً سَرَّنِي بِهَا ، بِمَعْنَى أَخْبَرَنِي خَبَرًا فَرِحْتُ بِهِ ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ [4: 171] يَعْنِي بُشْرَى اللهِ مَرْيَمَ بِعِيسَى أَلْقَاهَا إِلَيْهَا ، قَالَ: فَتَأْوِيلُ الْقَوْلِ وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ الْقَوْمِ إِذْ قَالَتْ
الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى مِنْ عِنْدِهِ هِيَ وَلَدٌ لَكِ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ قَالَ مُسْتَدِلًّا عَلَى هَذَا مَا نَصُّهُ: وَلِذَلِكَ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: اسْمُهُ الْمَسِيحُ فَذَكَّرَ وَلَمْ يَقُلِ"اسْمُهَا"فَيُؤَنِّثَ وَ"الْكَلِمَةُ"مُؤَنَّثَةٌ ; لِأَنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهَا قَصْدَ الِاسْمِ