(وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) أي شاكرًا ، وهذا تخصيص للركوع بحال
مقترنة به ، وقيل: نبّه بقوله: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي كوني
مع العابدين والمصلين ، وخصها بفضل إيجابٍ اقتضاه قوله.:
(اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي)
إن قيل: كيف أخر هذا الذكر لمريم عن ذكر قصتها ؟
قيل: لما ذكر آيتها قرن بها آية زكريا وعبادته ، ثم أتبعها بعبادة مريم متمما لقصتها ؛ لئلا يحتاج إلى قطع قصة زكريا ، فيكون قد قرن ذكر الآية بالآية والعبادة بالعبادة.
قوله عز وجل: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)
قد تقدَّم أنواع الوحي ، وأن أصله الإِشارة ، ويقال
للكتابةْ: وحي ، إذ هي إشارة ما ، وقد يكون الوحي بالإِلهام
كما يكون بضرب من الكلام ، وعلى ذلك قوله: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي)
وقد يقال ذلك للوساوس نحو قوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)
وكثيراً ما يشبه الوساوس بالإِلهام ، فلا يُميز بينهما إلا أولو العقول
الراجحة.
والقلم: القص من الصلب كالظفر وكعب الرمح والقصب ، ويقال للمقلوم: قِلْم ، كقولهم للمنقوضِ: نِقْض ،
وخُص ذلك بما يكتب به وبالقَدَح ، وأكد بقوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ)
أن هذا مما أبلغت من الغيب ، لقوله عز وجل فِي قصة موسى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا)
وقوله: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)
ومقارعتهم عليها:
قال قتادة: كانوا من حرصهم على كفالتها يتقارعون عليها لفضلها.
وقيل: لتدافعهم إشفاقا من أزمة كانوا فيها.