وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن - إذا وُجِدَ ذلك الأمر -: (قد جاء قولي وكلامي) ، وقيل: لأن الله عز وجل يهدي به كما يهدي بكلمته.
وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر.
وقوله تعالى: {اسْمُهُ الْمَسِيحُ} . ذَكَر الكنايةَ؛ لأنه عنى بـ (الكلمة) : عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ.
فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى) ؟
قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم.
فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد والليث: المسيح أصله بالعبرانية: [ (مشيحا) . فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا: موسى، وأصله: (موشى) ، أو (ميشى) بالعبرانية] ، فلمَّا أعربوه غيَّروه، فعلى هذا لا اشتقاق له، وأكثر العلماء على أنه مشتق.
قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك: وإنما سُمِّيَ عيسى عليه السلام مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال أحمد بن يحيى: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها.
فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل) ، وقيل: إنه (فعيل) بمعنى: (مفعول) ، على أنه مُسِح من الأوزار، وطُهِّر.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحاً بالدهن.
وقال الحسن، وسعيد: لأنه مُسح بالبركة. وبهذا قال مِنْ أهل اللغة: شَمِر. وقال ابن الأعرابي، وأبو الهيثم: المسيح بن مريم: الصدِّيق.