قيل: دعاء محمد - صلى الله عليه وسلم - كان أعظم نفعاً وأكثر بركة وأحسن عاقبة, فإن المائدة كان فيها طعام مخصوص لقوم مخصوصين لم يكن عامّاً لجميع المخلوقين مع أن عاقبة نزول المائدة كان شراً على من طلبها من عيسى - عليه السلام - , فإنهم عُوقبوا إذ لم يشكروا ومُسِخوا خنازير إذ عَصَوا وادخروا, فكانت المائدة عقوبة لهم إذ عذّبهم الله تعالى عذاباً لم يعذب به من كان قبلهم, ثم ارتفعت هذا إن صحّ أنّها نزلت, فأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن أمّته لما شكَوا إليه الجدب واستئخار المطر عن إبّانِ زمانه فقالوا له: ادع اللهَ يُغيثنا وكان يخطب على المنبر يوم الجمعة فرفع يديه ودعا فما نزل حتى جاء المطر وجاش كل ميزاب فلم يزالوا يُمطَرُون إلى الجمعة الأخرى, فقالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله تعالى يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن المدينة انجياب الثوب وسالَ وادي قناةَ شهراً ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد.
فدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت نعمة ورحمة وبركة فإن المطر خير الأرزاق لجميع المخلوقات بل هو أصل الأرزاق كلها وأساس النعم جميعها وقد أنزل الله تعالى على جماعة من أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - من السّماء طعاماً وشراباً عند حاجتهم إليه, وبُورِك لآخرين في قليل الطعام والشراب حتى سَدّ مسدّ الكثير وهذا أمر معلوم معهود في أمّته.
وقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السماوات والأرض يعني ليلة المعراج قلت: يا ربّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته, جعلت إبراهيم خليلاً, وموسى كليماً, وسخرت لداود الجبال يسبحن والطير, ولسليمان الريح والشياطين, وأحييت لعيسى الموتى, فما جعلت لي, قال: أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي وجَعلت صدور أمّتك أناجيل يقرؤن القرآنَ ظاهراً ولم أُعطها أمّةً, وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله»