إن هناك فارقا بين أن يقدر على الكلام ولا يتكلم ، وبين ألا يقدر على الكلام. وما دامت الآية هبة من الله. فالحق هو الذي قال له: سأمنعك من أن تتكلم ، فساعة أن تجد نفسك غير قادر على الكلام فاعرف أنها العلامة ، وستعرف أن تتكلم مع الناس رمزا ، أي بالإشارة ، وحتى تعرف أن الآية قادمة من الله ، وأن الله علم عن عبده أنه لا يريد أن تمر عليه لحظة مع نعمة الله بدون شكر الله عليها ، فإننا نعلم أن الله سينطقه.. {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} .
لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكرا ، وجعل كل وقته ذكرا ، فلم ينشغل بالناس أو بكلام الناس ، وذكر الرب كثيرا هو ما علمه - سبحانه - عن زكريا عندما طلب الآية ليصحبها دائما بشكر الله عليها ، إن قوله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً} تفيد أن زكريا قادر على الذكر وغير قادر على كلام الناس ، لذلك لا يريد الله أن يشغله بكلام الناس ، وكأن الله يريد أن يقول له: ما دمت قد أردت أن تعيش مع النعمة شكرا فسأجعلك غير قادر على الكلام مع الناس لكنك قادر على الذكر.
والذكر مطلقا هو ذكر الله بآلائه وعظمته وقدرته وصفات الكمال له ، والتسبيح هو التنزيه لله ، لأن ما فعله الله لا يمكن أن يحدث من سواه ، فسبحان الله ، معناها تنزيه لله ، لأنه القادر على أن يفعل ما لا تفعله الأسباب ولا يقدر أحد أن يصنعه.. إنه يريد أن يشكر الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب. تلك اللفتة.. التي جاءت من قبل من مريم لزكريا.